أعادت الحرب في غزة تعريف مفهوم التأثير الرقمي. لم يعد السؤال الأهم هو: كم شخصًا شاهد المحتوى؟ بل: هل وصلت القصة بمعناها الصحيح؟ هل حُفظت كرامة أصحابها وسلامتهم؟ وهل بقيت قابلة للتوثيق والاستعادة بعد انتهاء لحظة النشر؟

في البيئات شديدة الاضطراب، لا يكفي قياس التأثير بالمشاهدات والتفاعل. فالمحتوى قد ينتشر سريعًا ثم يفقد سياقه، بينما قد تحتفظ مادة أخرى بقيمتها لسنوات لأنها توثق شهادة أو مكانًا أو ذاكرة.

لهذا أتعامل مع التأثير الرقمي باعتباره نظامًا متكاملًا يبدأ من المصدر والتحقق، ويمر بالتحرير وحماية الأشخاص والبيانات، ثم النشر والتوزيع والأرشفة والقياس. المحتوى عنصر أساسي، لكنه ليس النظام كله.

السوشيال ميديا ليست سلاحًا ولا مصيدة بحد ذاتها؛ إنها بنية توزيع. يمكنها إيصال شهادة محلية إلى جمهور عالمي، لكنها قد تفصل المحتوى عن سياقه أو تحوله إلى لحظة عابرة داخل تدفق لا يتوقف. الفارق تصنعه المنظومة المهنية التي تسبق النشر وتتبعُه.

كما يحتاج الإعلام إلى تجاوز رواية الحدث وحده. فالإنسان ليس ضحية فقط، والمدينة ليست خلفية للأخبار. العمل والتعليم والذاكرة والمكان والعلاقات والحياة اليومية كلها جزء من السجل الذي يجب حفظه.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تصبح البيانات والخوارزميات هي من يحدد القيمة التحريرية. ارتفاع المشاهدات لا يعني بالضرورة ارتفاع القيمة، كما أن المنصة لا ينبغي أن تكون هي النظام الإعلامي نفسه. المؤسسات تحتاج إلى امتلاك مواقعها وأرشيفها وبياناتها وقنواتها المباشرة، حتى لا تصبح ذاكرتها وقرارها رهينة منصة خارجية.

إعادة بناء الإعلام الفلسطيني تتطلب ثلاث ركائز مترابطة: بنية رقمية قادرة على الاستمرار، قدرات بشرية تجمع بين الصحافة والتكنولوجيا والأمن والتحقق، ومؤسسات مستقلة وقابلة للاستدامة تستطيع العمل مع العالم من موقع الشريك لا مجرد مصدر للصور والشهادات.

الهدف ليس فقط أن يصبح الإعلام الفلسطيني أكثر قدرة على شرح المعاناة، بل أن يصبح جزءًا من صناعة الإعلام العالمية: ينتج المعرفة، ويطور أدواته، ويحفظ أرشيفه، ويبني مؤسساته، ويحمي حقه في رواية قصته وتحديد سياقها.

  • التأثير لا يبدأ من الضوضاء.
  • يبدأ من وضوح يتحول إلى نظام.
  • وما لا يتحول إلى نظام، يبقى مجرد نشاط.